عبد القادر الجيلاني
47
فتوح الغيب
--> - وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ [ التوبة : 59 ] . وهذه حقيقة دين الإسلام . والرّسل بعثوا بذلك ، كما قال تعالى : * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ الشورى : 13 ] . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [ المؤمنون : 51 - 52 ] . فهذا هو الأصل الذي يجب على كل أحد أن يعتصم به ، فلا بدّ أن يكون مريدا محبا لما أمره اللّه بإرادته ومحبّته ، كارها مبغضا لما أمره اللّه بكراهته وبغضه . والناس في هذا الباب أربعة أنواع : أكملهم الذين يحبّون ما أحبّه اللّه ورسوله ، ويبغضون ما أبغضه اللّه ورسوله ، فيريدون ما أمرهم اللّه ورسوله بإرادته ، ويكرهون ما أمرهم اللّه ورسوله بكراهته ، وليس عندهم حبّ ولا بغض لغير ذلك ، فيأمرون بما أمر اللّه به ورسوله [ في نسخة : اللّه ورسوله به ] ، ولا يأمرون بغير ذلك ، وينهون عمّا نهى اللّه عنه ورسوله ، ولا ينهون عن غير ذلك . وهذه حال الخليلين أفضل البرية : محمّد وإبراهيم - صلى اللّه عليهما وسلم - . وقد ثبت في الصحيح [ م ( 532 ) ] عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه اتّخذني خليلا كما اتّخذ إبراهيم خليلا » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح [ خ ( 2949 ) ] : « إنّي واللّه لا أعطي أحدا ، ولا أمنع أحدا ، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت » . وذكر : أن ربّه خيّره بين أن يكون نبيا ملكا ، وبين أن يكون عبدا رسولا ، فاختار أن يكون عبدا ورسولا . فإن « النبيّ الملك » مثل داود وسليمان ، قال تعالى : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] . قالوا : معناه : أعط من شئت ، وامنع من شئت ، لا نحاسبك . ف « النبي الملك » يعطي بإرادته لا يعاقب على ذلك ، كالذي يفعل المباحات بإرادته . وأما « العبد الرسول » فلا يعطي ولا يمنع إلا بأمر ربه ، وهو محبّته ورضاه وإرادته الدينية ، والسابقون المقرّبون : أتباع العبد الرسول ، والمقتصدون أهل اليمين : أتباع النبي الملك . وقد يكون [ في نسخة : تكون ] للإنسان حال هو فيها خال عن الإرادتين : وهو أن [ في نسخة : أنه ] لا تكون له إرادة في عطاء ولا منع ، لا إرادة دينية هو مأمور بها ، ولا إرادة نفسانية سواء كان منهيا عنها أو غير منهيّ عنها ، بل ما وقع كان مرادا له ، ومهما فعل به كان مرادا له من غير أن يفعل المأمور به شرعا في ذلك . فهذا بمنزلة من له أموال يعطيها وليس له إرادة في إعطاء معين ، لا إرادة شرعيّة ، ولا إرادة مذمومة ، بل يعطي كلّ أحد . فهذا إذا قدر أنه قام بما يجب عليه بحسب إمكانه ، ولكنه خفي عليه الإرادة الشرعية في تفصيل أفعاله ، فإنه لا يذم على ما فعل ، ولا يمدح مطلقا ، بل يمدح لعدم هواه ، ولو علم تفصيل المأمور به ، وأراده إرادة شرعية لكان أكمل . بل هذا مع القدرة : إما واجب ، وإما مستحبّ . وحال هذا خير من حال من يريد بحكم هواه ونفسه ، وإن كان ذلك مباحا له ، وهو دون من يريد بأمر ربّه لا بهواه ، ولا بالقدر المحض . فمضمون هذا المقام : أن الناس في المباحات من الملك [ في نسخة : ذلك ] والمال وغير ذلك على ثلاثة أقسام : قوم لا يتصرّفون فيها إلا بحكم الأمر الشرعيّ ، وهو حال نبيّنا ، وهو حال العبد الرسول ومن اتّبعه في ذلك . وقوم يتصرّفون فيها بحكم إرادتهم ، والشهوة التي ليست محرّمة ، وهذا حال النبي الملك ، -